التقية عند كبار علماء أهل السنة والجماعة
لا أريد أن اثبت خطأً أو تجاوزاً للسنة على الشيعة أو العكس فالجميع هم أتباع أمة واحدة يؤمنون برب واحد ويتبعون رسولاً واحد ، وما عليهم إلا أن يتحدوا في مواجهة المخاطر التي تواجه الأمة برمتها ، ويستحضرني وأنا أكتب هذا المقال حديثاً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما يربط المسلمين من أخوة سنة وشيعة فيما سأنقله عن أحد العلماء الأفاضل عندما زار المرجع الديني الكبير سماحة السيد / السيستاني في النجف الأشرف وهو ينقل عنه هذا القول :
لو قُتل نصف الشيعة بالعراق وقُتل أبنائي فإنني لن أفتي بقَتل سني واحد لأن هؤلاء هم أرواحنا وأنفسنا وهذا ما يعكس النظرة المتوازنة التي تريد الخير للجميع وتريد لهذه الأمة أن تكون خير أمة أخرجت للناس .
إن من أهم المسائل التي تداولها الناس وطرحت لإيجاد مساحة اختلاف واسعة بين السنة والشيعة ، مسألة التقيه وتصويرها بما لايمت إلى الواقع بصلة .
قال تَعالى في كتابهِ الكَريم : (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) [آل عمران 28] ، والمقصود من قولِه عز وجل تقاة (التقية) .
وقال البخاري في صحيحهِ (تقاة وتقية واحد) وقال في شرح كلمة تقاة في الآية الكريمة (تقية) : والمقصود بذلك أن الذي يخشى منهم في ظرف غلبتهم وقهرهم يجوز لهم أن يظهروا لهم الولاية والاتباع بنحو إتقاءهم وتجنب اضرارهم بحيث يبطن في قرارة نفسه الإيمان وإتباع الحق دون إتباعهم (المصدر فتح الباري جزء 12 ص 383) .
قال القرطبي : روى ابن القاسم عن مالك : ان من أُكرِه على شرب الخمر وتَرك الصلاة أو الإفطار في رمضان إن الاثم مرفوعٌ عنه (المصدر تفسير القرطبي جزء 10 ص 183) .
ويقول المراغي في تفسيره : ويدخل في التقية مداراة الكفرة ، والظلمة ، والفسقه ، وإِلا نّة الكلام لهم ، والتبسم في وجوههم ، وبذل المال لكف أذائهم ، وصيانة العرض منهم ، ولا يعّد هذا من الموالاة المنهي عنها ، بل هو مشروع (المصدر تفسير المراغي جزء 3 ص 136 ، 137) .
الفخر الرازي في التفسير الكبير : وظاهر الآية يدُل على أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين ، إلا أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة عن النفس .
وقال ابن مفلح المقدسي الحنبلي في الفروع : وإن الشرع والعقل أوجبا التحرج من العوام بالتقية (المصدر الفروع جزء 6 ص 384 ط.دار الكتب العلمية – بيروت سنة 1418هـ) .
التقية بين الصحابة :
وقد روي عنهم أنهم كانوا يمارسون التقية فيما بينهم ، قال أبو بكر ابن أبي شيبه ، حدثنا عبدالله ابن نمير عن الأعمش ، عن عبدالملك بن ميسرة ، عن النزال بن سمره قال : دخل ابن مسعود وحذيفه على عثمان ، فقال عثمان لحذيفه : بلغني انك قلت كذا وكذا ؟ قال : لا والله ما قلته . فلما خرج قال له عبدالله : مالك تقوله ما سمعتك تقول ؟ فقال : إني اشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله (المصدر المصنف لابن ابي شيبه جزء 6 ص 474 ح33050) .
الأمير الصنعاني:
يقول محمد ابن اسماعيل اليمني المعروف بالأمير الصنعاني وهو من كبار الفقهاء والمحدثين في كتابه سبل السلام : ومن هنا تعلم ان حذف لفظ الآل من الصلاة كما يقع في كتب الحديث ليس على ما ينبغي ، وكنت سئلت عنه قديماً فأجبت أنه قد صح عند أهل الحديث بلا ريب كيفية الصلاة عن النبي وهم رواتها ، وكأنهم حذفوها خطأ تقيةً لما كان في الدولة الأموية من يكره ذلك وقد استمر عليه عمل الناس متابعة من الآخر للأول فلا وجه له (المصدر سبل السلام شرح بلوغ المرام للأمير الصنعاني جزء1 ص371 . دار الكتب العلمية بيروت سنة 1988م).
وقال الذهبي أثناء كلامه عن يحيى ابن معين وهو إمام من أئمة الجرح والتعديل والذي يجمع علماء السنة على علو منزلته ورفيع مقامه ، يقول عنه الذهبي : وكان يحيى رحمه الله من أئمة السنة فخاف من سطوة الدولة وأجاب تقية (المصدر سير أعلام النبلاء جزء 11 ص87) .
وإذا كان الشيعة الإمامية قد مارسوا التقية وهي مبدأ قرآني وعقلي معروف ، فالتاريخ يشهد على ما تعرضوا له من ملاحقة وقتل وتشريد حتى أن بعضهم لجأ الى الجبال ليعيش تحت أسماء مستعارة ، ومن هنا فإن بعض العائلات المارونيه في لبنان يعتقدون أنهم ينحدرون من أجداد هاشميين لجئوا إليهم وعاشوا بينهم .
ولماذا نذهب بعيداً فكل من عاش داخل الكويت أثناء الاحتلال الصدامي فغير اسمه واستخرج هوية مزيفة وجامل السيطرات البعثية في الشوارع أو أثناء تفتيشهم للبيوت قد مارس التقية دون أن يشعر ، فالتقية إذن هي محافظة الانسان على نفسه وماله وعرضه خصوصاً إذا شعر بالخطر أمام من يريد أن يلحق به الخطر أو يعرض حياته للهلاك وتلك من الرخص التي أجازها الشرع الشريف وأمر المسلمين باتباعها ، وما ذكرته في هذا المقال جزءً بسيطاً من استعمال التقية من قِبل أكابر علماء أهل السنة والجماعة وهو عنوان هذا المقال وهناك الكثير الكثير من الروايات التي لا يتسع المقال لذكرها تجنباً للإطالة . |