الفتنة (2)
الحديث الذي أدلى به سمو ولي العهد في اجتماع الأسرة قبل أيام عكس بمرارة ما يشعر به سموه من تدني لغة الحوار والتقاطعات القبلية والمذهبية التي ارتفعت وتيرتها هذه الأيام لتشكل هاجساً من شأنه زعزعة كيان المجتمع وتعريض سلامة هذا البلد الصغير إلى كثير من الأخطار ، والذي عاش منذ القدم على التراحم والتآلف ونبذ الخلافات بكافة أشكالها .
وفيما تعرض الشيخ أحمد الفهد نائب رئيس مجلس الوزراء إلى نفس هذا الموضوع محذراً من الانسياق في الفتنة ، دخل على الخط بعض الشخصيات المهتمة بالشأن العام فكتب الأستاذ مشاري العنجري مقالة في جريدة القبس بتاريخ 19/4/2010 حول نفس الموضوع ، وعلق على مقالته الدكتور محمد الدويهيس وزير التخطيط السابق بتاريخ 22/4/2010 فأثنى على مقال الأستاذ العنجري ، وطالب أفراد الشعب الكويتي بكل أطيافه وانتماءاته بأن يكونوا يداً واحدة ، ووقف الجدل الهادم للقيم التي عاش عليها الشعب الكويتي منذ 350 عاماً ، ودعى إلى عدم الاستماع الى الدعوات المغرضة ونبذ التصرفات الغير مسئولة والأبواق الحاقدة التي يغيظها استقرار الكويت وأمنها وسلامتها .
كان عدد الكويتيين في الخمسينيات في القرن الماضي لا يزيد عن ربع مليون مواطن ، واليوم بعد مضي ستين عاماً على ذلك التاريخ ارتفع العدد الى مليون وثلاثمائة ألف مواطن تقريباً ، مما يعني زيادة تعدت كل معدلات النمو بكل المقاييس وهذا يعني أن القيم الأصيلة وما ألفه الكويتيين الأوائل لم يعد لها وجود في الوقت الحاضر ، وهذه حقيقة يجب أن لا يغفلها أو يتغاضى عنها كل من يتعاطى بالشأن العام بل العمل على تأصيل روح المواطنة لدى جميع فئات الشعب وانصهار فئاتهم وأطيافهم المختلفة في بوتقه واحدة تجتمع على حب هذا الوطن والتفاني في سبيل رفعته واستقراره .
نحن بحاجة ملحة لمشروع وطني يتبناه نخبة من رجال الكويت المخلصين يمثلون كل شرائح المجتمع ، ليضعوا النقط فوق الحروف ويتلمسوا مواقع الخلل والدعوة إلى الإصلاح وتطبيق القانون على الجميع دون محاباة أو مراعاة لأحد ، ليعرف كل مواطن أن حقه مضمون وأن الجميع سواسيه أمام القانون .
في ظل الدستور وما تضمنه من بنود وضمانات لكل من يعيش على هذه الأرض ليس هناك أغلبية أو أقلية أو بدواً أو حضراً ، فالكل أمام القانون سواء ، والسؤال هنا هل يعكس واقع هذا الوطن ما نص عليه الدستور؟ والجواب يقول لا ، فالخلل ليس بالدستور ولكنه بالتطبيق والممارسة التي جعلت من الدستور كقائمة الطعام يختار منها البعض ما يحلو له من أصنافها .
أتأمل وأرجو أن تلقى هذه الدعوة الاستجابة من المهتمين بالشأن العام ، وممن يهمهم أمر هذا الوطن فلقد قَلّ من يهتم بالشأن العام بعكس ما جبل عليه الكويتيين القدامى ممن يتطوعون للمساهمة بالعمل الوطني دون مقابل ، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ من الناس مصاب بروح الأنانية والسلبية فاهتماماته لا تتعدى مصالحه الخاصة ، وهو لا يدري أن فساد الشأن العام يضر بالشأن الخاص وبحياة كل فرد يعيش في ظل هذا الوطن الذي يحتاج منا الكثير من العناية والاهتمام .
|